حسن النوايا و المخادعون...للكاتبة الجزائرية بن قدور نوال
حسن النوايا و المخادعون...للكاتبة الجزائرية بن قدور نوال

كان يا ما كان، في زمنٍ بعيد يختلف عن زماننا، عاش فلاح عجوز اسمه عبد الجبار مع زوجته الطيبة الخالة نوسة.
كان عبد الجبار رجلًا محبًّا للطعام، لكنه لم يكن يعرف متى يتوقف! يأكل وجبته، ثم يبحث عن وجبة أخرى، وإذا رأى طعامًا أمامه فلا يستطيع مقاومته.
ومع مرور الأيام، أصبح يأكل حتى من محصول أرضه.
وحين جاء موسم زراعة الفول، زرع عبد الجبار أرضه بالفول مثل باقي الفلاحين. لكنه لم يستطع الانتظار حتى ينضج المحصول.
فكلما رأى بعض حبات الفول قد نضجت، اقتلعها وأكلها!
وفي كل يوم كان يأكل أكثر من اليوم الذي قبله، حتى أصبح بطنه كبيرًا جدًا، وصار يمشي بصعوبة.
وكان يعود إلى البيت شبعانًا، رغم أن زوجته كانت تنتظره وهي تحضّر له الطعام.
وفي أحد الأيام، وضعت الخالة نوسة صينية الطعام أمامه وقالت:
— تفضل يا حاج عبد الجبار، لقد تعبت كثيرًا في إعداد هذا الطعام.
نظر إليها عبد الجبار وقال:
— أبعدي عني هذا الطعام، فقد أكلت خارج البيت مع جارنا حسن الجزار، والحمد لله!
حزنت الخالة نوسة كثيرًا، وقالت:
— ولكن يا حاج، لماذا تفعل هذا بي؟ أطبخ لك كل يوم، ثم تعود وتقول إنك أكلت في الخارج!
فرد عليها بضيق:
— هلا صمتِّ قليلًا؟ لا تفسدي مزاجي، أريد أن أنام!
وسكتت الخالة نوسة، لكنها بقيت حزينة.
مرت الأيام، وبدأت حقول الفول عند الجيران تنضج.
كان حقل حسن الجزار مليئًا بالفول الأخضر، وكذلك حقل الغولة، وكان الجميع يستمتعون بمحاصيلهم.
أما حقل عبد الجبار، فلم يبقَ فيه شيء تقريبًا!
وفي يوم من الأيام، سألت الخالة نوسة زوجها:
— يا حاج عبد الجبار، أين محصولنا؟ كل الجيران أكلوا من فولهم، ونحن لم نرَ حتى حبة فول واحدة!
ارتبك عبد الجبار، لكنه حاول أن يبدو واثقًا وقال:
— ماذا تقولين؟! أرضنا مليئة بالخيرات! غدًا سأخذك إليها، وستشاهدين بنفسك كم لدينا من الفول.
وفي اليوم التالي، اصطحبها إلى الأرض.
لكن عبد الجبار كان يعرف الحقيقة جيدًا... لقد أكل معظم المحصول بنفسه!
وبينما كانا يمشيان، قال لها:
— ما رأيك يا عزيزتي أن نعيد أيام الصبا ونلعب لعبة صغيرة؟
ابتسمت الخالة نوسة وقالت:
— لعبة؟ وما هي؟
قال:
— أغمضي عينيك بمنديل، وسأقودك إلى مكان المحصول، ثم سأفاجئك!
أعجبتها الفكرة، فعصبت عينيها وسارت معه.
وبعد قليل قال لها:
— وصلنا! الآن خذي هذا الحجر وارميه بكل قوتك. أينما سقط، فذلك مكان أرضنا!
رمت الخالة نوسة الحجر، لكن يا للمصيبة!
لقد سقط الحجر في حقل الغولة!
عرف عبد الجبار ذلك، لكنه لم يقل شيئًا.
نزعت الخالة نوسة العصابة عن عينيها، ورأت أمامها حقلًا أخضر مليئًا بالفول، ففرحت كثيرًا.
أمسكت المنجل وبدأت تجمع الفول وهي تغني:
الأرض أرض ربنا
وخيرها عمَّ علينا
وبقي كله لنا!
ارتفع صوتها في الحقل، حتى وصل إلى أذني الغولة.
غضبت الغولة غضبًا شديدًا، وخرجت مسرعة نحو الحقل.
وفجأة ظهرت أمام الخالة نوسة!
ارتعبت الخالة نوسة، فقد كانت تعرف أن الغولة قوية ومخيفة.
أمسكت بها الغولة وقالت بغضب:
— ماذا تفعلين في أرضي؟ ومن سمح لك بلمس محصولي؟
لكن الخالة نوسة حاولت أن تكون شجاعة وقالت:
— هذه أرضنا نحن! لا تتباهَي علينا بقوتك!
ضحكت الغولة بصوت عالٍ وقالت:
— أرضكم؟! انظري جيدًا!
وأشارت إلى حقلٍ قريب كان قد أصبح يابسًا وفارغًا.
ثم قالت:
— ذلك هو حقل زوجك! لقد أكل عبد الجبار محصوله كله قبل أن ينضج!
نظرت الخالة نوسة إليها بدهشة.
ثم تابعت الغولة:
— والآن تأتين إلى أرضي وتأخذين محصولي أيضًا؟!
وفي تلك اللحظة، نظر عبد الجبار إلى الغولة، ثم إلى زوجته، وخاف كثيرًا.
فبدل أن يساعد زوجته، هرب وتركها وحدها!
أصيبت الخالة نوسة بصدمة كبيرة، ولم تستطع تصديق أن زوجها تخلى عنها.
ثم أغمي عليها من شدة الخوف والحزن.
🏚️ في بيت الغولة
عندما فتحت الخالة نوسة عينيها، وجدت نفسها في منزل الغولة.
كانت الغولة قد قررت ألا تؤذيها، بل جعلتها تعمل في منزلها.
وهكذا بدأت الخالة نوسة حياة صعبة، وكانت تقوم بالأعمال المنزلية طوال اليوم، ولا تكاد تجد وقتًا للراحة.
مرت الشهور، والخالة نوسة تنتظر أن يأتي عبد الجبار لإنقاذها.
لكن الأيام مرت...
والأسابيع مرت...
ثم مرت الشهور...
ولم يظهر عبد الجبار أبدًا!
فهمت الخالة نوسة أخيرًا أنها لن تستطيع انتظار أحد.
وقالت لنفسها:
— إذا أردت أن أنجو، فعليَّ أن أعتمد على نفسي.
بدأت تفكر في طريقة للخروج من منزل الغولة.
وفي كل مرة تخرج فيها الغولة، كانت الخالة نوسة تحاول تحرير نفسها من القيد الذي يمنعها من مغادرة المكان.
وبعد محاولات كثيرة، استطاعت أخيرًا التخلص منه!
لكنها لم تستطع الهرب فورًا، لأن الغولة كانت لا تزال في المنزل.
وفي تلك الليلة، كانت الغولة نائمة، وكان شخيرها عاليًا جدًا حتى بدا وكأنه يهز سقف البيت!
فكرت الخالة نوسة:
— عليَّ أن أنتظر فرصة مناسبة.
وفي صباح اليوم التالي، خرجت الغولة من المنزل.
انتظرت الخالة نوسة لحظات، ثم خرجت مسرعة خلفها.
لكنها لم تكن تعلم أن الغولة نسيت كيسها في المنزل!
وبعد مسافة قصيرة، عادت الغولة إلى بيتها.
رأت الخالة نوسة الغولة تقترب، فخافت وركضت بأقصى سرعتها.
ولم تجد أمامها سوى مكان واحد يمكن أن تختبئ فيه...
وادٍ يُسمى واد القذارة.
كان الوادي مكانًا قذرًا تنبعث منه رائحة كريهة جدًا، وكانت الخالة نوسة تكره الاقتراب منه.
لكنها قالت لنفسها:
— لا يوجد أمامي خيار آخر!
وتقدمت نحو الوادي.
وصلت الغولة إلى طرف الوادي، ثم توقفت فجأة.
فقد كانت تخاف من عبوره، ولم تستطع أن تتقدم خطوة واحدة!
نظرت الغولة إلى الخالة نوسة وهي تعبر الوادي، وغضبت لأنها لم تستطع اللحاق بها.
أما الخالة نوسة، فواصلت طريقها حتى ابتعدت عن الغولة تمامًا.
وأخيرًا...
نجت الخالة نوسة!
تابعت طريقها نحو مكان جديد، بعيدًا عن الغولة وعن زوجها عبد الجبار الذي خذلها في أصعب لحظاتها.
وفي المكان الجديد، التقت بأناس طيبين أحبوا الخالة نوسة وأحبتهم.
وهناك بدأت حياة جديدة، تعلمت فيها أن الشجاعة والصبر والثقة بالنفس يمكن أن تساعد الإنسان على تجاوز أصعب المواقف.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الخالة نوسة تنتظر من ينقذها...
فقد اكتشفت أنها تستطيع أن تكون بطلة قصتها بنفسها.
تأليف: نوال بن قدور
رسوم: عبد الكريم العاجي
.png)

تعليقات
إرسال تعليق